ابن عجيبة
160
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
صورة ناصح ، لا يدفع بتعوذ ولا غيره . يُوحِي أي : يوسوس ، بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ ، فيوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس ، ثم يوسوس شياطين الإنس إلى من يريد الحق اختباره وابتلاءه ، يلقى إليه ذلك الشيطان زُخْرُفَ الْقَوْلِ أي : أباطيله ، أي : قولا مزخرفا مزوّقا غُرُوراً أي : لأجل الغرور ، فإن أراد اللّه خذلان ذلك العبد غره ذلك الشيطان بزخرف ذلك القول فيتبعه ، وإن أراد توفيقه وزيادته أيده وعصمه ، وكل شئ بقدره وقضائه ، وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ هدايتهم ما فعلوا ذلك الوحي ، أو ما ذكر من المعاداة للأنبياء ، فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ على اللّه من الكفر وغيره ، فلا تهتم بشأنهم . وإنما فعلنا ذلك الإيحاء لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فيغتروا به ، وَلِيَرْضَوْهُ لأنفسهم ، وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ أي : وليكتسبوا من الإثم والكفر ما هم مكتسبون بسبب ذلك الوحي من الجن أو الإنس ، وفي الآية دليل لأهل السنة في أن اللّه خالق الكفر والإيمان ، والطاعة والمعصية ، فالمعصية خلقها وقدرها ، ولم يرضها ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ « 1 » . الإشارة : كما جعل اللّه لكل نبي عدوّا من شياطين الإنس والجن ؛ جعل للأولياء كذلك ؛ تحويشا لهم إليه ، وتطهيرا لهم من البقايا ليصلحوا لحضرته ، قال في الحكم : « إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنا إليهم ، أراد أن يزعجك عن كل شئ حتى لا يشغلك عنه شئ » . وقال في لطائف المدن : اعلم أن أولياء اللّه حكمهم في بدايتهم أن يسلط الخلق عليهم ليطهروا من البقايا ، وتكمل فيهم المزايا ، كي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد ، أو يميلوا إليهم باستناد ، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه ، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أسدى إليكم نعما فكافئوه ، فإن لم تقدروا فادعوا له » . كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق ، ويتعلق بالملك الحق . ه . وقال الشيخ أبو الحسن رضى اللّه عنه : آذاني إنسان فضقت به ذرعا ، فرأيت يقال لي : من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم . وقال بعضهم : الصيحة من العدو ، سوط من اللّه يزجر بها القلوب إذا ساكنت غيره ، وإلا رقد القلب في ظل العز والجاه ، وهو حجاب عن اللّه تعالى عظيم . ه . وقال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضى اللّه عنه : ( عداوة العدو حقا : اشتغالك بمحبة الحبيب حقّا ، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك ، وفاتتك محبة الحبيب ) . وقال بعض أشياخ الشعراني في بعض وصاياه له : لا تشتغل قط بمن يؤذيك ، واشتغل بالله يرده عنك ؛ فإنه هو الذي حركه عليك ؛ ليختبر دعواك في الصدق ، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير ، فاشتغلوا بأذى من آذاهم ، فدام الأذى مع الإثم ، ولو أنهم رجعوا إلى اللّه لردهم عنهم وكفاهم أمرهم . ه .
--> ( 1 ) الآية 23 من سورة الأنبياء .